ابن الأثير
467
الكامل في التاريخ
فقالوا له : إنّ أميرنا يدعوك إلى ما هو خير لنا ولك ، العافية أن تقبل ما دعاك إليه ونرجع إلى أرضنا وترجع إلى أرضك وداركم لكم وأمركم فيكم وما أصبتم كان زيادة لكم دوننا وكنّا عونا لكم على أحد إن أرادكم ، فاتّق اللَّه ولا يكوننّ هلاك قومك على يدك ، وليس بينك وبين أن تغبط بهذا الأمر إلّا أن تدخل فيه وتطرد به الشيطان عنك . فقال لهم : إنّ الأمثال أوضح من كثير من الكلام ، إنّكم كنتم أهل جهد وقشف لا تنتصفون ولا تمتنعون فلم نسيء جواركم وكنّا نميركم ونحسن إليكم ، فلمّا طعمتم طعامنا وشربتم شرابنا وصفتم لقومكم ذلك ودعوتموهم ثمّ أتيتمونا ، وإنّما مثلكم ومثلنا كمثل رجل كان له كرم فرأى فيه ثعلبا فقال : وما ثعلب ! فانطلق الثعلب فدعا الثعالب إلى ذلك الكرم ، فلمّا اجتمعوا إليه سدّ صاحب الكرم النقب الّذي كنّ يدخلن منه فقتلهنّ ، فقد علمت أنّ الّذي حملكم على هذا الحرص والجهد ، فارجعوا ونحن نميركم ، فإنّي لا أشتهي أن أقتلكم ، ومثلكم أيضا كالذباب يرى العسل فيقول : من يوصلني إليه وله درهمان ؟ فإذا دخله غرق ونشب ، فيقول : من يخرجني وله أربعة دراهم ؟ وقال أيضا : إنّ رجلا وضع سلّة وجعل طعاما فيها فأتى الجرذان فخرقن السلّة فدخلن فيها ، فأراد سدّها فقيل له : لا تفعل إذن يخرقنه ، لكن انقب بحياله ثمّ اجعل [ فيها ] قصبة مجوّفة فإذا دخلها الجرذان وخرجن منها فاقتل كلّ ما خرج منها ، وقد سددت عليكم [ فإيّاكم ] أن تقتحموا [ 1 ] القصبة فلا يخرج منها أحد إلّا قتل ، فما دعاكم إلى ما صنعتم ولا أرى عددا ولا عدّة ! قال : فتكلّم القوم وذكروا سوء حالهم وما منّ اللَّه به عليهم من إرسال رسوله واختلافهم أوّلا ثمّ اجتماعهم على الإسلام ، وما أمرهم به من الجهاد ،
--> [ 1 ] سددت عليهم أن يقتحموا .